مشاهدة النسخة كاملة : السيد طاهر


ربا كامل الناصر
07-22-2009, 11:57 AM
أراه من بعيد.. يجلس وسط الزهور في الحديقة كأنه يبحث عن وجهها بينهم.. ويشم رائحة جسدها في بتلاتها.. مضى وقت طويل على رحيل زوجته ، تركته وحيدا يقضي معظم وقته في الحديقة المقابلة لعمارتنا، لم يكن يعلم يوما أن هذه الورود ببتلاتها وعبيرها ستكون هي متنفسه الوحيد في الهروب من شبح الوحدة الذي يلاحقه في شقته الباردة وجمود الذكريات في بقايا الصور المعلقة على الحائط.
كان السيد طاهر يجمع الحصى الصغيرة في كيس من القماش وسط نظراتي الفضولية..لم أكن وحدي- بل الجيران كلهم- في قلوبنا تجاهه وردة ترتعش حسرة على وحدته وانعزاله عن الناس!. يقال أنه كان من مرتادي الأمسيات الثقافية وأنه كان عاشقا للمسرح، إلا أنه عزف عن كل هذه الإهتمامات .
في صباح يوم، أوقفني شيخ يسألني عن شقة السيد طاهر، شعرت أنه قريبه لأول وهلة لكن بسؤالي له عن درجة قرابته له أخبرني أنه صديق عمره الذي سافر إلى الغربة لسنين طويلة وقد عاد ليجدد ذكرياته مع السيد طاهر فهل حاله ستتغير؟.
طيلة المدة التي قضاها صديقه عنده كان السيد طاهر في أبهج صورة، كنت أراه يرسم ابتسامة صغيرة كانت كافية في أزالة تجاعيد وجهه لدقائق، وإيقاد شعلة الشباب والحيوية في قلبه، كنت أراه كالطفل السعيد بحلول العيد..سعيدا طوال الوقت... إلا أنه لم يبق على هذه الحال طويلا فعندما قرر صديقه الرجوع إلى غربته حيث يعيش وأولاده، التبست السيد طاهر حالة من الحزن، حاله كحال طير جريح يحاول ضم نفسه فيشعر بآلامه وحده دون أن يهتم به أحد!.
كنت في كل ليلة أسمع طرقات خفيفة على باب شقة هذا الشيخ، كان يرمي الباب بالحصى الصغيرة التي يجمعها من الحديقة، كأنه يريد إعلام الجميع أنه لازال مستيقظا، لكنه كان يرمي في جدار قلبي شفقة على عناده في عزوفه عن الناس وعن مساعدتهم، وكأنه لا يعلم ما يخفيه له القدر!.
مع حلول الظلام في تلك الليلة وخلو الشوارع من المارة، أحببت يومها أن أقرأ رواية جديدة، كنت منهمكا في قراءة فصولها والإبحار مع لغة كاتبها، لم يشتت تركيزي أي شيء إلا عندما لاحظت صمت ساد شقة هذها الشيخ، لم أسمع أي طرق على باب شقته،انتظرت بعض الوقت ورجعت أتابع قراءة الرواية إلا أن الصمت لازال يحوم في شقته والخوف يحوم في قلبي، لم أستطع الانتظار كما لم أستطع تمالك نفسي عندما وجدت جثته ممدة على الأرض وسط ظلمة كسرها ضوء التلفاز الذي يعلو فينير بقعة حول جثته ويخبو تاركا الظلام يسود المكان، رحل هذا الشيخ والقمر لا يزال مضيئا يغزل من ضوئه خيوط أمل يمدها لمن يحتاجه، رحل هذا الشيخ ونسيم الشجر يهزها برقة كأنه يحنو عليها، رحل هذا الشيخ وشبح الوحدة لايزال يحوم في شقته ويسكن جدرانها!.