مشاهدة النسخة كاملة : اللوحة


نجوى النابلسي
08-10-2009, 11:36 AM
أنهيت تأثيث بيتي.. اخترته بدقة.. حَرَصْتُ على تزيينه بكل ما أحببت. شيء ما كان ينقصني. تجولت أبحث العالم عنه، إلى أن فاجأتني لوحة في غاية الروعة..أضاءت الدنيا حولي إذ رأيتها تكمل جمال حجراتي وتظهر أناقة أثاثها، تضيء زواياها وتبعث فيها الحياة. أدركت أن لوحة مميزة هي كل ما ينقصني، وأن هذه اللوحة هي ذاتها ما احتاج إليه، أكدت لي خطوطها أنها موغلة في الأصالة معبرة عن نفسي، وليقيني أن الفن هو الحياة لا معنى لها دونه، حيث يعكس إبداع الخلق، ويضاهي فتنة ألوان الوجود ويأسر القلب بتكامله، لذلك دفعت ثمناً لها ما دفعت.
هي إذاً.. لوحة قديمة قدم الحياة.. ألوانها انبثاق النور الأول، تختلط خضرتها بصفاء الأزرق ورقته.. وحمرتها نهاية الضياء الحتمية. وقفت أمامها منقطعة الأنفاس مأسورة الفؤاد مسلوبة الإرادة. حملتها ككنز أثري أصيل وأسكنتها صدر منزلي، انعكست عليها أضواؤه والأنوار ازدادت بهاءً بها، فرحتي بها لا تضاهيها فرحة امتلاك الوجود. وقفت فخورةً والأصدقاء يمرون مهنئين بالمنزل الفاخر ويتوقفون أمامها معبرين عن إعجابهم، افتخرت أني دفعت لامتلاكها ثمناً باهظاً لقناعتي أنها تساوي كل ما أملك، رصيدي وكل ما ادخرت، وتجاهلت نظرات السخرية في بعض العيون، وحاورت نفسي أن لا أحد يثمنها ما تستحق وأني وحدي من يعرف حقيقتها.
خذلتني، وحدها خذلتني، حين اطلع عليها صاحبها ومبدعها فأقر أنها صورة منسوخة..مسخ ناقص لأصل ضائع، كيف دارت بي الأرض لا أدري، غامت صور العالم.. استحال ضباباً غائماً.. وكل ما ظننته حقيقياً صار كذباً، جمال أثاثي تحول قبحاً، وأظلمت الظلال من حولي، تقزمت وأرعبتني..لذت بغرفتي أستشعر سخرية العالم مني، من جهلي وغبائي، أصابع تشير إلي بشفقة وأخرى تتهمني. بدت عيون من أعجبوا باللوحة أمس عيوناً هازئة، تظهر إعجاباً وتضمر سخريةً، لعلهم جميعاً أدركوا من قبل الحقيقة سواي، وحدي خدعت، وحدي بهرني جمالها فخلته يقيناً والكل أدرك زيفها سواي.
أحدق في دقائقها لعلّي ألاحظ أين يكمن الخداع فيها فلا أجد إلا خطوطاً كانت بالأمس فناً أصيلاً تحول اليوم ألواناً باهتةً تعبر فقط عن خديعتي.
ما استطعت حملها بعيداً عن صدر بيتي، رغم زيفها أمست جزءاً منه، يبدو الجدار دونها فراغاً، تتمسك بقوائمه. تركتها هناك حيث لا لوحة أخرى تضاهيها، وإن صدقت، زيفها كان أروعَ من كل الحقائق، أصررت على بقائها هناك حيث كانت، في صدر بيتي.. أو صدري..
اهتزت جدر البيت يوماً، تلاطمت قطع الأثاث.. تكسرت كل التحف.. وسقط الجدار.
هرعت أحصي خسائري.. وحدها اللوحة المزيفة سلمت.. لم يمسها سوء..حملتها بين يدي،، ضحكت من كل قلبي.. وأنا أدور بها بين الحطام، أصرخ:
- هذه هي الحقيقة لم يبقَ إلا ها.